مجد الدين ابن الأثير
321
المختار من مناقب الأخيار
ومائتين ، فلم يأكل ولم ينم ، ولم يستند إلى حائط ، ولم يمدّ رجليه ، فقال له أبو بكر الكتّاني : بماذا قدرت على اعتكافك ؟ فقال : علم صدق باطني فأعانني على ظاهري . ثم أنشأ يقول : سأشكر لا أنّي أجازيك منعما * بشكري ولكن كي يقال له شكر وأذكر أيامي لديك وطيبها * وآخر ما يبكي « 1 » على الذاكر الذّكر وقال : قدمت من مكة فبدأت بالجنيد لكي لا يتعنّى إليّ ، فسلّمت عليه ثم مضيت إلى المنزل ، فلما صلّيت الصبح في المسجد إذا أنا به خلفي في الصفّ فقلت : إنما جئتك أمس لئلا تتعنّى . فقال : ذاك فضلك ، وهذا حقّك « 2 » . وقال عبد اللّه بن عطاء : كان الجنيد إذا تكلّم في علوم الحقائق يقول : هذا من بابة أبي محمد الجريري . إذا لم يحضر هو المجلس « 3 » . وسئل عن العبادة فقال : حفظ ما كلّفت ، وترك ما كفيت « 4 » . وقال محمد بن عبد اللّه الطّبري : قال رجل لأبي محمد الجريري : كنت على بساط الأنس ففتح لي طريق إلى البسط فزللت زلّة فحجبت عن مقامي ، فكيف السبيل إليه ؟ دلّني على الوصول إلى ما كنت عليه . فبكى أبو محمد وقال : يا أخي ! الكلّ في قهر هذه الخطّة ، لكنّي أنشدك أبياتا فيها جواب مسألتك . وأنشد يقول « 5 » : قف بالدّيار فهذه آثارهم * تبكي الأحبّة حسرة وتشوّقا كم قد وقفت بها أسائل مخبرا * عن أهلها أو صادقا أو مشفقا فأجابني داعي الهوى في رسمها : * فارقت من تهوى فعزّ الملتقى « 6 »
--> ( 1 ) في تاريخ بغداد : « ما يبقى » والخبر فيه 4 / 432 . ( 2 ) ذكره المناوي في الكواكب 2 / 10 . ( 3 ) ذكره الذهبي في السير 14 / 467 . ( 4 ) تاريخ بغداد 4 / 432 . ( 5 ) في ( أ ) : « أنشدك أبياتا فيها . وأنشأ يقول » ، والمثبت من ( ل ) . ( 6 ) طبقات الصوفية ص 264 والحلية 10 / 348 وتاريخ بغداد 4 / 433 .